حرية الرأى والتعبير فى الإسلام مقال للدكتور حذيفة عبد الله عزام

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.اللهم ﻻ سهل إﻻ ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهﻻ.رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.
وبعد:
سبق لي وتحدثت عن ممارسات أمنيي الفصائل القمعية وتحدثت عن التعذيب وحكمه في اﻹسﻻم ونصحت ولن أعيد ما تحدثت عنه ولكن الذكرى مطلوبة فهي تنفع المؤمنين عسى الله جل في عﻻه أن يصلح أحوالنا وأن ينفعنا بما نقول قبل أن ينتفع به غيرنا إنه ولي ذلك والقادر عليه إخواني وأحبابي:
من يطالع سيرة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم ﻻ يجده تتبع مذنبا قط وﻻ تتبع عورة إنسان قط وﻻ احتجز إنسانا أذنب ذنبا أو ارتكب كبيرة في حق الله وحق نفسه ما لم يتعد الظلم للغير أو يكون عمﻻ مضرا باﻷمة ومصالحها أو طعنا بأعراض المسلمين وقذفا للمحصنات المؤمنات ورميا لهن في أعراضهن ولعلي قصدت من اﻹستطراد السابق توضيح الفارق بين نوعين من اﻷخطاء والذنوب:

1/ذنوب في حق النفس وإن بلغت حد الكبائر.

2/ذنوب في حق اﻷمة أو ما اشتملت على حقوق الغير.

ومن هنا أقول مستعيناً بالله:

أن سقف حرية التعبير زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مفتوحا وهو المؤيد بالوحي والمعين من الواحد اﻷحد والذي ﻻ ينبغي لمؤمن وﻻ مؤمنة إذا قضى أمرا أن يكون له الخيرة من أمره ومع ذلك راجع سيرته صلى الله عليه وسلم:

تجد منافقين خلص يتنزل الوحي بنفاقهم يأخذون بتﻻبيبه ويشدونه من ﻷمته حتى تظهر آثار الدرع في عاتقه ويجادلونه في باطل ويريدون فرض ضﻻل وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من حوله يتحرقون لقتل ذلك المنافق ويمسكون بمقابض سيوفهم ينتظرون إيماءة أو إشارة منه صلى الله عليه وسلم ليطير رأس ذلك المنافق وينفصل عن جسده فﻻ يؤذن لهم.

يأتيه اليهودي متقاضيا دينه ويسيء إليه بالكﻻم وينبري الفاروق عمر لينهره ويجندله فينطق الصادق اﻷمين بإنصاف عز مثيله:كان عليك أن تأمره بحسن الطلب وتأمرني بحسن اﻷداء ويعود اليهودي والمنافق دون أن تمس لهما شعرة أو يخشيا غدرا أو سجنا أو بطشا.

بل أكثر من ذلك من يأتيه يطلب الصدقات من أجﻻف اﻷعراب وبأسوأ اﻷساليب وأردأ العبارات ومع ذلك يدخلهم بيته ويكرمهم ويعطيهم حتى تطيب نفوسهم وقد أساؤا له أمام أصحابه ولو أذن ما رجع منهم رجل يسير على قدميه وهؤلاء كما ذكرت منهم المنافق وغير المسلم.

بل وأعجب وأغرب من ذلك أن يأتيه جد الخوارج أمام أصحابه فيلمزه ويغمز به  ويطالبه بالعدل أمام الرأي العام كله(إعدل يا محمد) ويرجع الرجل بعد أن أساء لخاتم اﻷنبياء وسيد المرسلين وخير من وطئ الثرى ماشيا على قدميه مطمئنا أنه لن يغدر به أحد ولن يمسه أحد بسوء وهو رأس المدارس المنحرفة والفرق الضالة في اﻹسﻻم عبر عن رأيه الضال وأساء للمعصوم وعاد دون أن  يمس.

كل تلك النماذج هي لمنافقين ومغرضين وأصحاب بدع وضﻻﻻت وأهل باطل لم يطاردوا ولم يسجنوا ولم يعذبوا ولم تدق أعناقهم وهم أصحاب ضﻻﻻت باطلة.

وثمة فئة أخرى وهي عصاة المؤمنين من أصحاب الكبائر والمعاصي فلم يعهد عنه صلى الله عليه وسلم أن تتبع عورة مسلم أو أمر بتتبعها بل كل الحاﻻت التي وردت في السيرة كانت حاﻻت رقابة ذاتية وصحوة إيمانية ويقظة من ضمير حي تود أن تلقى عقابها في الدنيا لتفتدي نفسها من النار فكلها حاﻻت اعتراف من المذنب نفسه والجاني عينه شعر بحرارة الذنب تحرق قلبه فجاء ليطهر نفسه وكانت الفرص أمامه متاحة مهيئة للنجاة بتكرار(لعلك لعلك لعلك) ولكن أبى عليهم إيمانهم إﻻ الصدق وفي السير عبر وحكم ودروس مستفادة وفقه لو أحسنا اﻹستنباط والفهم فلم يتتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم عورات المسلمين قط وﻻ راقبهم وﻻ احتجز عصاتهم وﻻ عنفهم وﻻ سجن مذنبا أو عاصيا أو عاصية لحين تطبيق الحد وﻻ تتبع أحدهم ليجلبه لتطبيق الحد وﻻ أقام سجونا لهذه الغايات وجعل سقف التعبير عن الرأي مفتوحا وجعل حرية السؤال متاحة ولم يعنف سائﻻ أو معترضا أو صاحب رأي وﻻ سجنه أو عذبه قط.

يدخل عليه أحد أصحابه فيقول له:قبلت امرأة في طرقات المدينة ويشيح عليه الصﻻة والسﻻم بوجهه عنه مرارا والرجل يكرر حتى استحيا الرجل بعد أن شعر أنه آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم فولى عائدا فأتبعه الرحمة المهداة أحد الصحابة وقال له الحق به واقرأ عليه قول الله تعالى"أقم الصﻻة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين".

وآخر يدخل عليه يطلب إليه أن يأذن له في الزنا.

وآخر يبول في المسجد.

وأخرى تخبره أنها حبلى من الزنا فتترك قرابة عامين دون أن يراجعها أحد أو يرسل في طلبها أو يسجنها وحين ترجم برشق دمها على ثياب أحد الصحابة فيسبها فينكر عليه الصﻻة والسﻻم عليه ذلك ويقول له لقد تابت توبة لو وزعت على أهل المدينة لكفتهم وألفاظ أخر في روايات متعددة وهل أعظم من أن جادت بنفسها لله؟!

وخﻻصة القول أن اﻹسﻻم حرص على إنشاء مجتمع إيماني وركز على دعوة المجتمع وتربيته وزرع الروادع اﻹيمانية والزواجر الذاتية في قلوب العباد ونفوسهم وتركهم لبارئهم ووكلهم لربهم وأمر العاصي باﻻستتار وأمر من انكشف له شيء من أمور العصاة بالستر عليهم ولم يأمر بتتبع عوراتهم ومراقبتهم وﻻ سجن صلى الله عليه وسلم صاحب رأي حتى وإن كان مغرضا أو منافقا أو مضﻻ أو صاحب بدعة أو غير مسلم بل استمع للرأي اﻵخر على ضﻻلة أصحابه وشذوذه وخروجه عن الصواب ولم يعنف صاحب رأي ولم يأمر بسجنه أو تعذيبه أو قتله أو اغتياله وحرص على تربية جيل إيماني يراقب ربه في السر والعلن ويراقب نفسه شعاره قول ربه جل وعلا:"ألم يعلم بأن الله يرى"فأرادوا أن ينظر إليهم وحالهم:"الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين" وحين كان أحدهم يسهو فيقع في ذنب يسارع إلى التوبة والتكفير مهما كان الثمن.

فلنبادر إخواني لتربية جيل كذلك الذي تخرج من مدرسة سيد المرسلين ولنترك تتبع العورات وقمع الرأي المخالف وتعنيف صاحب الرأي اﻵخر أو مطاردته وسجنه وتعذيبه وتهديده ووعيده ولنسع للتغيير بالنهج المحمدي فقد تعهد رب العزة والجﻻل بذهاب الجفاء وبقاء ما ينفع الناس وكتب في الزبور من بعد الذكر أن اﻷرض يرثها عبادي الصالحون ولنتدارس نهجه عليه الصﻻة والسﻻم في التغيير والبناء فاﻷسس التي أقام عليها هذا الصرح وإن كانت طويلة اﻷمد وتحتاج إلى صبر ومصابرة وسعي ومثابرة هي وحدها الكفيلة بأن توردنا أهدافنا المنشودة وتحقق غاياتنا المقصودة وتعيد بناء هذا الصرح الذي غاب بانباتتنا عن نهج سيد المرسلين في البناء والتشييد فبتنا كمن يبني على غير أساس فينهار بنيانه مع أول هزة أو هبة ولو تأنينا في وضع اﻷساس السليم والقويم لصمد البنيان أمام أعتى الهزات وأقوى الهبات.